نخبة من الأكاديميين
379
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تلقت نتائج حملة نابليون من زاوية تداعياتها الثقافية . وفي هذا الحقل اخترنا أمثلة للدراسة تنضوي جميعها في النشاط الثقافي والمعرفي المشترك والذي ما كان ليمكن أن يتحقق على مستوى الممارسة التاريخية لولا تداعيات حملة نابليون على مصر . هذا النشاط الثقافي المعرفي تمثل في ما أنجزه ثلاثة أعلام ، لخّص كل واحد منهم ومن موقعه حالة من حالات التثاقف أو التأثر الثقافي المتبادل بين العوالم الحضارية وصولًا إلى وعي بتاريخ عالمي واحد . * عبد الرحمن الجبرتي : المؤرخ المراقب لما جرى من فعل ورد فعل في المجتمع المصري ( ولا سيما المجتمع المديني في القاهرة ) ، وهو مجتمع يتسم بكثير من السمات التقليدية المشتركة مع المجتمعات الإسلامية العريقة الأخرى في العالم الإسلامي ، نقرأ من خلال تاريخه الحال الثقافي لمجتمع إسلامي تلقى صدمة الحملة العسكرية المتمثلة لا بأسلحتها وعسكرها فحسب ، بل بعلمائها وكتابها وفنانيها وأساليب إدارتها وسلوك أفرادها . * شمبليون : مكتشف معاني الحروف الهيروغليفية وواضع قاموسها ، أي بعبارة أخرى مكتشف التاريخ المصري القديم وحضارته الكبرى . وذلك ما كان ليمكن أن يحصل لولا حجر رشيد ( مفتاح قراءة النص الهيروغليفي ) والذي عثر عليه في خضم الصراع البريطاني - الفرنسي على مصر . * رفاعة رافع الطهطاوي : مكتشف من موقعه الإسلامي باريس وثقافتها وثورتها وأهم معالم فكرها التنويري . في القسم الثاني : اخترنا حقلًا آخر من المرحلة التي اتسمت بالمطالبة بالدستور أي بالمشروطة في العالم الإسلامي ، وبالتحديد في كلٍّ من إيران والدولة العثمانية . في هذه المرحلة التي تغطي أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين ، انشغل الفقهاء والمفكرون المسلمون المناهضون للاستبداد والحكم الفردي ، بالدعوة والعمل من أجل إقامة أنظمة برلمانية مقيدة للحاكم الفرد وذلك عن طريق دستورٍ ينص على تأمين حقوق المواطنين ومشاركة الأمة في الحكم . وكان الشغل الشاغل لدى هؤلاء الفقهاء والمفكرين الدستوريين ( أي المحبذين للدستور والمشروطة ) هو إيجاد التلاؤم الثقافي والتوافق الشرعي بين فكر أوروبي يدعو إلى الديمقراطية وبين فكر إسلامي يدعو إلى الشوروية . هذا وقد استحضرنا مثالين في هذا السياق : مثال رشيد رضا في دفاعه عن الدستور العثماني وحسين نائيني في دفاعه عن الثورة الدستورية بين أعوام 1906 و 1911 .